Monday, August 3, 2015

عن بيروت الحقيقية، التي تنضح بما فيها



لم يكن طارق الملاح الأول، وللأسف نظراً لإستبداد نظام القمع الذي نعيش تحته، لن يكون الأخير الذي يعتقل، ومطالبتنا بالحرية لطارق لم تكن صرخة فقط لإخراجه من السجن، كانت أيضاً صرخة لإخراجنا من سجن الفساد والقمع في بلد أصبحت صورته الخارجية مع أزمة النفايات حقيقية. فبيروت اليوم صريحة، تنضح بما فيها، رائحتها تعكس رائحة نظام طبقي طائفي لا يخجل من ممارسة بطشه في العلن، لا يخجل من لقب السجان أو  واقع أنه رمى بأصغر الممارسات الديمقرطية في مكب نفايات التمديد، فكم سنة مرت على الانتخبات؟ برلمان ممدد لنفسه يتناسى أنه أولاً وأخيراً موجود في خدمة الشعب.  ولا يتناسى التالي فقط, بل يؤكد عبر ممارسته البطش أنه لا يخدم إلا نفسه، ومصالحه الشخصية.  لن نضحك على أنفسنا ونطالب بإنتخابات، فالتاريخ أثبت أنه مهما حصل، ما زالت هذه الطبقة السياسية تحكم في ظل نظام طائفي بحسب الطائف، فالنتيجة ستكون نفسها. ديناصورات الحكم لن يرحلوا، هم باقون، ونحن نزول، نتعب، نتمرد، نعترض، ثم نتعب وعند أول فرصة للرحيل، نحن الذين نرحل، لأن نظام القمع الذي نعيش تحته وقح مهما حاولنا طرده لن يرحل. فهل بإمكان أن ننسى للحظة المطالبة بدولة ونتذكر المطلبة  بالتحرر منها؟ 
 
أقوى ما في هذا النظام هو أنه نظام قمع هيكلي، والتالي هو أيضاً مرات تعكس ضعفه وهشاشته. هو نظام يخاف ويرتعب من الناشطين ضده، فيمارس أسهل وأعنف طرقه القمعية بعزل الناشيطين والاستفراد بهم، فيرميهم في السجن. يستفرد بهم/ن ليومين أو ثلاثة في فرع المعلومات، حيث لا يمكن أن يدخل محامي أو يخرج عن المحتجزون أي خبر.  وبذلك هذا النظام لا ينكلأ أن يبرهن انه لا يزال نفسه منذ الحرب الأهلية حتى في طريقة حكمه، فهو يعتمد الخطف القانوني كوسيلة ترهيب، فهذه الدولة لا تحتجز الناشطين، هذه الدولة تخطفهم، كما كانت  المليشيات تخطف الناس أيام الحرب.  يخرج الناشطون بعض الاحتجاز, خاصة اذا كان الشارع ضد بالمرصاد, ولكن ماذا يحدث في اليومين من الاحتجاز؟ ماذا يحدث في السجن في بلد تخرج منه بين اليوم والاخر تقريرات عن التعذيب الممنهج الذي يمارسه السجانين على المساجين....سياسة الترهيب والكسر النفسي عبر الاحتجاز, هكذا تتعامل "دولة القانون" مع مواطنيها. وهنا نعي ان ضرورة صرختنا للحرية لا يجب فقط ان تكون صرخة لحرية أصدقائنا المسجونين, بل صرخة اعمق واكبر لتحررنا من فكرة السجن كعقاب, من عقدة السجن والعزل
وبالرغم من انني ممكن ان اتكلم لساعات عن نظام الدولة الفاسد بكل مؤسساتها, انا اكتب هذه المرة لاشارككم ببعض النقاط التي نغفل عنها باوقات الازمة. واولها ان لبنان اليوم ليس بازمة استثنائية, الازمة موجودة منذ سنين, هي الان اصبحت اكثر شفافية لانها اصبحت واضحة للعين... والانف ايضا. ازمة النفايات اليوم ليست غير القشرة التي تغطي في الظاهر مشاكل اعمق واعنف من النفايات. تحتها تختبئ اشكاليات الخصخصة وفشل الدولة المفتعل في معالجة اي مشكلة اجتماعية فتعتزل وتعتزل وتعتزل حتى تصبح الحالة كارثية. وهنا تصبح الخصخصة كخشبة خلاص للشعب الذي في ظل الازمة التي تفتعلها الدولة يقتنع بها كحل جزري. فالازمات لا تحصل في الدول, اذ ان ما يبرر وجود الدولة أصلاً هو قدرتها على "تنظيم" المجتمع,  انها موجودة لتنظيم المجتمع, فكيف تصبح هناك ازمات اذا لم تكن مفتعلة؟
 
ثانيا, اوضحت مشكلة النفايات ان النظام الطبقي كالهواء, موجود في كل شيء. فالواضح حتى خلال لم النفايات من الشارع, وفي هذه الازمة بالتحديد, ان بعض المناطق التي هي من الطبقة العليا او الوسطى هي لها الاولوية بلم نفاياتها, فتصبح صحة سكان هذه المنطقة وشكلها ولم نفاياتها من الشارع هي اولية على الأحياء التي من الطبقات الادنى. وهذا الشيى يوضح يوماً بعد يوم أن المشكلة الأصلية في الصراع الطائفي أنه غطاء محكم لمشكلة طبقية أعمق
 . 
وهكذا تصنع الازمة, تخاط لنا ويخاط معها حلول وهمية لا تفعل شيء الا ان ترمي في المشكلة الهيكلية لهذا الحكم تحت السجادة وعندها نهدأ ونعود الى تخديرنا اليومي بالتعامل مع كل شيء على انه العادي اليومي. نعود لندفع فواتير الكهرباء مرتين والماء مرتين ونعيش في الغلاء. وتعود ازمة اخرى لتسقط القناع ونعود لنثور ليومين وثم نهدأ. هذه هي المشكلة في ان نصنف النفايات كأزمة, فملف النفايات ليس الا العوارض للمرض الاكبر وهو النظام الحاكم وطبقاته السياسية
وهنا اريد ان اعود الى طارق, الى الربط الا محال بين تقاطعيات قضاياه, فطارق وكما كلنا نعلم لم يدخل الى السجن لانه فقط رمى سيارة الوزير بالزبالة انما لانه تكلم عن لاغتصاب في دار الايتام, فوقف في وجه رجال الدين الذين يحكمون البلد بإشارة. فعومل طارق بالطريقة التي يعامل فيها كل رجل او امرأة تكلمن عن الاغتصاب, عومل بالاسكات ونصح بستر عورته. وهنا يتضح ابعد من فساد هذا النظام وعنفه, يتضح ايضا ذكوريته التي لا يمكن فصلها عن المطالب الحقوقية ووضعها جانبا, اذ ان نظام الدومينو الذي نعيش فيه لن يسقط ما زالت احد اعمدته صامدا بحجة انها معركة مختلفة. واعود الى الاحتجاز, الذي برهن ان التدخل في  استقلالية القضاء هي ايضا من المعارك التي  يجب خوضها حتى لا ننتهي في سجون فروع المعلومات وزنزاناتهن التي تخطف باسم القانون وحفظ امن الدولة
اذا سألتوني عن بيروت اليوم, بيروت هي جحيم مستمر, الفرق انه كشف عن انيابه. الفرق فيه اننا ضاق صدرنا واصبح النفس اصعب مع رائحة هذا النظام التي تعف من الشوارع. واسألوني عن بيروت غدا فهي ستبقى كما هي لو نحن استمرينا باتباع نظام الاولويات في معاركنا ضد هذا النظام, اذا استمرينا في فعل ما فعلناه  في الماضي في التبرء من معارك كالمعركة ضد الذكورية مثلا على انه "ليس الوقت المناسب". اعمدة هذا النظام من ذكوريته,لرأسماليته, لعنصريته, وطبقيته, ونفاياته, طائفيته ودولته يجب ان يهدم, سيبدأ بالانهيار في اللحظة الذي نعي فيها انه مرتبط ببعضه البعض واننا نعيش في ازمة داخل ازمة داخل ازمة منذ زمن طويل, والازمة اليوم ليست الاستثناء لا بل هي القاعدة.

No comments: